الأربعاء، 13 مايو 2015

الجمل الندية من ألقاب المسائل الفقهية (5)


الجمل الندية من ألقاب المسائل الفقهية (5)
بقلم : محمد أحمد العباد



باسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، أما بعد : فهذه المقالة الخامسة ضمن سلسلة مقالات تدور حول بعض المسائل المنصوصة في كتب الفقهاء بألقابٍ وتسمياتٍ مخصوصة ، إما تمييزاً لها عن غيرها من المسائل ، أو لخروجها عن القواعد المطَّردة والأصول المقررة لدى بعض الأئمة ، أو نسبةً للمفتي في تلك المسألة أو للمستفتي أو لعبارةٍ وردت ضمن الفتوى ، أو لغير ذلك من الأسباب ، وقد أعرضتُ عن المسائل المتعلقة بأحكام المواريث حيث أفردها بعض أهل العلم فاكتفيت بالمسائل الفقهية في الأبواب الأخرى واجتهدتُ في إيضاحها وإيجازها بغير إطالةٍ تؤدي إلى الملالة ، ورتبتها على حروف المعجم ، فإلى المادة :




1 – مسألة (الدجاجة واللؤلؤة)  :
هذه المسألة من الفروع الفقهية لقاعدة " الضرر يزال "[1]  ، ومسألة الدجاجة واللؤلؤة صورتها أن يغصب الغاصب دجاجةً ولؤلؤة، فتبتلع الدجاجة اللؤلؤة ، فيقال له : إن لم تذبح الدجاجة، غرّمناك اللؤلؤة ، وإن ذبحت الدجاجة غرَّمناك الدجاجة واستخرجنا اللؤلؤة ليأخذها مالكها .[2]



.
.
.


2 – مسألة (الدهشة) :
لو أن رجلاً سَرَق ، أو أنَّ رجلاً قطع اليدَ اليمنى لشخصٍ آخر ؛ فإن الواجب الشرعي هنا هو قطع يده اليمنى من باب القِصاص أو من باب تطبيق الحد ، ولكن صورة مسألة الدهشة تتمثل فيما لو أن الشخص الذي يطبق عقوبة القطع قطع اليد اليسرى بدل اليمنى لسبب من الأسباب كأن يقول السارق مثلاً (ظننت أن اليسرى هي اليمني فأخرجتها) أو يقول : (دهشت فأخرجتها) ، أو يقول القاطع : (ظننت أن اليسرى تجزئ عن اليمنى فقطعتها) أو نحو ذلك من الأسباب قال في "مغني المحتاج" (5/ 285) : (( فهذه المسألة تسمى مسألة الدهشة )) . اهـ وقد اختلف الفقهاء[3] فيما يترتب على ذلك الخطأ هل يضمنه الإمام بحيث يعوَّض من قُطِعت يده وتُقطع يده اليمنى ؟ أم قد أجزأه قطع اليسرى فقط ؟ ومعنى (دهش) كما هو معلوم لغةً أي : تحيَّر و ذهب عقله من الذهل ومن الفزع ونحوه .[4]






.
.
.
 3 – مسألة (الدولابية) :
وهذه التسمية تَرِدُ في مذهب المالكية لمسألة تتمثل فيما لو : شكَّ زوجٌ هل طلَّق زوجته ؟ طلقةً واحدة ؟ أو اثنتين ؟ أو ثلاثاً ؟ فماذا يترتب على ذلك ؟
ينص بعض فقهاء المذهب المالكي على :
1 – أنها لا تحلُّ له إلا بعد أن تتزوج زوجاً غيره ؛ وذلك لوجود الشك والاحتمال في كونه قد طلقها ثلاثا .
.
2 - ولكن بعد أن فارقها الزوج الجديد عاد الأول وتزوجها ثم طلَّقها مرةً أخرى !.
فهنا يربط بعض المالكية بين عدد الطلقات في كلٍّ من زواجيه الحالي مع الطلقات التي شك في عددها من زواجه الأول ، فيقولون : (لو طلقها بعد زواجه الثاني مرةً أو اثنتين ، فإنها لا تحل إلا بعد زوج) ، وذلك لوجود احتمال أن يكون عدد الطلقات التي شك فيها من زواجه الأول طلقتين فقط فتكون هذه هي الثالثة .
.
3 - ثم أيضاً تزوجها رجلٌ آخر وطلَّقها ، فعاد إليها زوجها الأول للمرة الثالثة ثم طلَّقها مرةً أخرى !
فهنا كذلك يُربط عند بعض المالكية بين عدد الطلقات في كلٍّ من زواجيه الحالي مع الطلقات التي شك في عددها من زواجه الأول ، فيقولون  أيضاً : (لو طلقها بعد زواجه الثالث ، فإنها لا تحل إلا بعد زوج) وذلك لوجود احتمال أن يكون عدد الطلقات التي شك فيها من زواجه الأول طلقة واحدة فقط بحيث تكون طلقة زواجه الثاني هي الثانية ، وطلقته بعد زواجه الثالث هي الثالثة .

وجاء في "المعيار المعرب" للونشريسي" (4/ 282 – 283 باختصار وتصرف يسير ) : 
هذه المسألة هي الملقبة في المذهب المالكي بـ"الدُّولابيّة" ، لبقاء الشك و دَوَرانِهِ فيها على قول ابن القاسم .



وفيها كتب شيخ دولة الموحدين بتونس في زمانه الشيخ الحاجب أبو محمد عبد الله ابن تافراجين لما نزلت به نفس هذه المسألة إلى شيخ فقهاء المالكية في تونس الشيخ أبي عبد الله ابن عرفة رحمه الله ، وخاطَبه بأبياتْ فيها محاسن وآياتْ ، فقالْ وأجاد في المقالْ :

يا دوحةَ الأدبِ المُصَوَّرِ في العُلا .. منك استَطَبنا الطَّعمَ والمشموما
أَوْرَتْ زنادك في العلومِ فأصبَحَت .. تُهدِي إليكَ نفائساً وعُلوما
ماذا ترى لمُتَيَّمٍ لَعِبَت بهِ .. أيدي الزمانِ فصَبَّحتهُ هَشِيما
ذِي زوجتينِ كريمتينِ مِن العُلا .. أصلاً وفرعاً زادَتا تكريما
بيضاوتانِ عليهما نَسَجَ الحَيا .. حُلَلاً فأصبَحَتَا بذاك نظيما
أبدى اليمينَ بزوجتيهِ ولم يكن .. يدري مراداً قالَ أو تَحرِيما
ولقد يجولُ بِفكرِهِ في رأسهِ .. ويُمَحِّصُ الأوهام والتقسِيما
فيعود وهو مُشَكَّكٌ في أمرِهِ .. قد كان يمنعُ جفنَهُ التنوِيما
أفصِح فديتُكَ ما سألتُ مُحَقِّقاً .. تجلو عُلاه وتمنع التَّعلِيما

فأجابه الإمام شيخ الإسلام أبو عبد الله ابن عرفة رحمه الله قائلاً :

يا من غَدَا مثلاً لحُسنِ فعالِهِ .. ومقالِهِ المعقولِ والمنقولِ
يا مَن نتائج فِكرِهِ معلومةٌ .. بالصدقِ مِثلَ دفاعِهِ المأمولِ
مَن شَكَّ في عددِ الطلاقِ لحنثهِ .. في حلفهِ بمقالهِ المبذولِ
مشهورُ مذهبِنا يُعَمَّمُ حِنثهُ .. في كلِّ معنى شَكِّهِ المدلولِ
ومقالةٌ أخرى تُخصِّصُ حِنثَهُ .. بيقِينِهِ لا شَكِّه المحلولِ
وَجْهاهُما استصحابُ حكمٍ سابقٍ .. مُتَيَقَّنٍ أو لاحقٍ مجهولِ ؟
فانظر بعين كمالِكُم ومجالكم .. في مَنزَعاتِ العقلِ والمنقولِ









حواشي ______________________________
[1] انظر : الموسوعة الفقهية الكويتية (28/ 181)
[2] انظر : عيون المسائل للسمرقندي الحنفي (ص 230) ، نهاية المطلب للجويني (14/ 453) ، تحفة المحتاج للهيتمي (8/ 175)
[3] انظر : تبيين الحقائق للزيلعي (3/ 227) الذخيرة للقرافي (12/ 184) ، نهاية المطلب للجويني (16/ 273) ،  الكافي لابن قدامة (3/ 277) ، الموسوعة الفقهية الكويتية (19/ 173)
[4] تاج العروس (17/ 209)

الجمعة، 1 مايو 2015

ملخصات أصول فقه 6


تعريف الاجتهاد


أقسام الاجتهاد
1

2


مجالات الاجتهاد




شروط المجتهد المطلَق


تقسيم المجتهدين إلى مستقل ومنتسب



كلام المرداوي في أقسام المجتهدين




إغلاق باب الاجتهاد


أسباب إغلاق باب الاجتهاد



ما لا يجوز فيه الاجتهاد



حكم الاجتهاد




أثر تغير الاجتهاد





حكم التقليد






خروج مقلد مذهبٍ ما إلى مذهب آخر





الفتوى



مناهج الفتيا




جهات الفتيا المعاصرة



اجتهاد الأنبياء



فروق في باب الاجتهاد



الجمل الندية من ألقاب المسائل الفقهية  (4)

بقلم : محمد أحمد العباد






باسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، أما بعد : فهذه المقالة الثالثة ضمن سلسلة مقالات تدور حول بعض المسائل المنصوصة في كتب الفقهاء بألقابٍ وتسمياتٍ مخصوصة ، إما تمييزاً لها عن غيرها من المسائل ، أو لخروجها عن القواعد المطَّردة والأصول المقررة لدى بعض الأئمة ، أو نسبةً للمفتي في تلك المسألة أو للمستفتي أو لعبارةٍ وردت ضمن الفتوى ، أو لغير ذلك من الأسباب ، وقد أعرضتُ عن المسائل المتعلقة بأحكام المواريث حيث أفردها بعض أهل العلم فاكتفيت بالمسائل الفقهية في الأبواب الأخرى واجتهدتُ في إيضاحها وإيجازها بغير إطالةٍ تؤدي إلى الملالة ، ورتبتها على حروف المعجم ، فإلى المادة :


 



1 - مسألة :(حمار ربيعة) :


المسألة المعروفة في المذهب المالكي بـ(حمار ربيعة)  هي مثال كغيره من الأمثلة التي يرتبط فيها العنوان – الذي لا يخلو من طرافة - بسياقه المجتمعي ، وصورتها إجمالاً تدور حول (الإقالة[1] من عقد البيع مقابل زيادة يدفعها من يطلب الإقالة) ، وسبب تسميتها بهذا الاسم : أنَّ الفقيه ربيعة بن أبي عبد الرحمن - المعروف بـ(ربيعة الرأي) - سُئِلَ عن رجلٍ باع حماراً بثمنٍ مؤجل (10 دراهم مثلاً) ثم طلب البائع من المشتري الإقالة من هذا البيع مقابل دينار يعطيه إياه إمّا معجَّلاً أو مؤجَّلاً ، فقال ربيعة رحمه الله – كما في "المدونة" (3/ 166) - : إن هذه الصورة لا تكون إقالة من البيع بل هي بيع آخر ، وقال : (( إنما الإقالة أن يترادَّ البائعُ والمبتاع ما كان بينهما على ما كان البيع عليه )) . اهـ 
وقال أبو عمر ابن عبد البر في "الاستذكار" (21/ 10) : (( لا خلاف بين العلماء أن الإقالة إذا كان فيها نقصان أو زيادة أو تأخير أنها بيع )) . اهـ



.

.
.






2 - مسألة ( الحبلى / المجوَّفة ) :


وهي مسألة أيضاً تأتي بهذا اللقب في مذهب المالكية ، وتأتي في باب المسبوق في الصلاة وصورتها في شخص فاتته الركعتان الأولى والثانية ، وأدرك الركعة الثالثة فقط ، ثم رعف أنفه قبل الركعة الرابعة ففاتته الرابعة لأنه خرج لغسل أنفه ففي هذه الحالة عندما يعود لكي يصلِّي فعليه وفق قول- سُحنون من المالكية - فعل الآتي :

1 – يأتي بركعة يقرأ فيها بالفاتحة وسورة ويجلس للتشهد ؛ لأنها الركعة الثانية بالنسبة إليه .

2 - ثم يأتي بركعة يقرأ فيها أيضاً بالفاتحة وسورة لأنها الركعة الثانية بالنسبة إلى إمامه الذي كان يصلي خلفه ، ولا يجلس لأنها الركعة الثالثة بالنسبة إليه هو .

3 – ثم يأتي بركعة يقرأ فيها بالفاتحة فقط ويجلس فيها للتشهد الأخير ويسلّم .

يقول الشيخ خليل بن إسحاق المالكي في "التوضيح" (1/ 91) : (( وتُسمى هذه الحُبْلَى والمُجَوَّفَةَ؛ لصيرورةِ السورتين في وسطِها )) .اهـ ، وقال الصاوي في "بلغة السالك" (1/ 282) : (( تُلَقَّب بالحبلى لثقل وسطها بالقراءة )) . اهـ




.
.
.





3 – مسألة (خلع الثلث) :


وهي مسألةٌ تُذكر في باب الوصايا ، وهي في الذي يوصي في ثلث ماله فيقول مثلاً : (( أوصي  لفلانٍ بكذا ، ولفلان بكذا )) ، ويسمي مالا من ماله يخص به الموصى إليهم ، ثم بعد موته يقول ورثته : (( لقد زاد الميت في وصيته على الثلث ))  ، ففي هذه الحالة يقول الإمام مالك في "الموطأ" (2826) : (( إن الورثة يُخَيَّرُون :

-         بين أن يعطوا أهل الوصايا وصاياهم ، ويأخذون جميع مال الميت .

-         وبين أن يقسموا لأهل الوصايا ثلث مال الميت فقط فتكون حقوقهم  فيه إن أرادوا )) . 


قال أبو عمر ابن عبد البر في "الاستذكار" (23/ 47) : (( هذه مسألة معروفة لمالك وأصحابه يدعونها "مسألة خلع الثلث" ،  وخالفهم فيها أبو حنيفة والشافعي وأبو ثور وأحمد وداود وأصحابهم وأنكروها على مالك رحمه الله )) . اهـ 
وكذلك يندرج تحت هذه المسألة – كما في "المغني" لابن قدامة (6/ 208) - المحاباة في مرض الموت في البيع والشراء كأن يبيع المريض لشخص معيّن شيئاً قيمته (3000 آلاف دينار) بـ(1000 دينار) فقط ، فعند الجمهور أن البيع يصح ولكن صحته تتوقف على إذن الورثة وإجازتهم ، قال ابن قدامة : (( وعند مالك : للمشتري أن يفسخ البيع ويأخذ ثلث المبيع بالمحاباة ، ويسميه أصحابه "خلع الثلث" )) . اهـ





.
.
.


4 – مسألة (الـخُـمـاس) :


مسألةٌ تعرف بمسألة (الخماس) تُذكر في أحكام المُزارَعَة ، وصورتها أن يخرج أحدهما البذر والأرض والبقر وآلات ونفقات ، ويكون على الطرف الآخر عمل يده فقط ، ويكون له من الزرع جزءٌ كربع أو غيره من الأجزاء ، وهذه صورة من صور المزارعة الصحيحة المنصوص على صحتها كلٌّ من الحنفية والشافعية والحنابلة[2] ، وقد سمى المالكية هذه المسألة بـ(مسألة الخُماس) إلا أنهم اشترطوا لكي تصح أن تنعقد بلفظ (الشركة) فإن عُقِدت بلفظ (الإجارة) لم تصح لأن أجرة العامل حينئذٍ ستكون مجهولة[3] ، ولم أقف على سبب تسمية المسألة بهذا الاسم ، إلا أنه من المحتمل أن يكون السبب هو أن صاحب الأرض يقول مثلاً للعامل ( اعمل ولك خُمس الزرع ) فيسوغ تسمية العامل حينئذ بأنه (خُماس) إن كان نصيبه الخُمُس ، كما تسوغ تسميته مرابعاً إن كان نصيبه الرُّبع[4] ، والله أعلم .






الحواشي :

[1] الإقالة في اصطلاح الفقهاء: هي رفع العقد وإلغاء حكمه وآثاره بتراضي الطرفين . انظر : الموسوعة الفقهية الكويتية (5/ 324)
[2] انظر : الموسوعة الفقهية الكويتية (37/ 65)
[3] انظر : التاج والإكليل للموَّاق (7/ 154)،  شرح الرسالة لأبي العباس البرنسي المعروف بـ زرُّوق (2/ 790) ،  شرح مختصر خليل للخرشي (6/ 66)
[4] انظر : تكملة المعاجم العربية (4/ 240)